الحاجات التشريعية لنفاذ اتفاقية مناهضة التعذيب

 

إن مفاهيم الحرية والكرامة وعدم الاعتداء على الآخرين هي مفاهيم عبَّر عنها الإنسان عبر التاريخ بأشكال متعددة.

            السيد المسيح دعا إلى المحبة والتسامح ما بين الناس وهو الذي قال لتلامذته: "..... من أراد أن يكون كبيراً فيكم فليكن خادماً.... "

            والخليفة عمر بن الخطاب قال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» ذلك قبل 1400 سنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في مادته الأولى: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق"

ومارتن كينغ قاد حركة مدنية في الولايات المتحدة لمساواة السود بالبيض وهو من قال: «إن الظلم أينما كان يهدد العدل في كل مكان...» ولينين في روسيا قاد ثورة لتحرير العمال والفلاحين من الاستغلال

 

والشعب الجزائري ثار وحرر وطنه من الاستعمار الفرنسي، والأم تريزا كرست حياتها من أجل مساعدة الفقراء في الهند وهي القائلة: ".... العراة هم أيضاً الذين تنقصهم الكرامة الإنسانية"

            والثورة الفرنسية دعت إلى المساواة والحرية...

            فالحديث عن حقوق الإنسان قديم قدم الإنسان إلى أن تبناها المجتمع الدولي في وقتنا الحاضر نتيجة الظلم الذي يتعرض له الإنسان من فقر وموت وتشرد وقمع وتعذيب وذبح واضطهاد وخوف وألم وتسلط وفق ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2000، لقد استبد القهر وسادت الفاقة حياة مئات الملايين من البشر مع نهاية القرن العشرين فاستخدمت الحكومات في أكثر بلدان العالم الحبس والتعذيب والقتل أحياناً لإسكات صوت المعارضة ولإحكام قبضتها على الحكم وأشعل تقييد الحريات السياسية واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء فتيل موجات احتجاج ووجهت بالوحشية والعنف في بلدان عديدة. فانتهاكات حقوق الإنسان حتى يومنا هذا تحصل في أكثر من 140 بلداً ومنطقة في أنحاء العالم.

            ومن هنا تبرز الأهمية القصوى للاتفاقيات الدولية في النظام القانوني العالمي التي تساعد إلى حد كبير على كشف وتقصي انتهاكات حقوق الإنسان من جهة والحد من وقوعها من جهة مقابلة...

            ومن بين المعاهدات التي اعتمدتها الأمم المتحدة اتفاقية مناهضة التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة والتي اعتمدتها- كما تفضل حضرة الزميل الأستاذ حسين ضناوي- الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع عام 1984 وأدخلت إلى حيز التنفيذ في عام  1987 وإن عدد الدول الأطراف بلغ حتى عام 1998، 109.

            وهذه الدول ملزمة بموجب أحكام هذه الاتفاقية بأن توقف وتمنع التعذيب في أراضيها وأن تجرمه وتحقق في جميع الادلاءات الخاصة به وان تحيل إلى المحاكمة كل الأشخاص المشتبه في ممارستهم له وان تستبعد المحاكمات جميع الأدلة التي يتم انتزاعها عن طريق التعذيب وضمان تعويض الضحايا عما لحق بهم من ضرر وألم.

            هذه الاتفاقية انطلقت أساساً من نص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

            ومعلوم انه في لبنان صدر عن المجلس النيابي القانون رقم 185، الذي يجيز فيه للحكومة الانضمام إلى اتفاقية مناهضة التعذيب المؤلفة من 33 مادة.

            وان المادة 2 من الاتفاقية تحث الدول الأطراف على اتخاذ التدابير التشريعية أو الإدارية أو القضائية أو غيرها من التدابير التي من شأنها أن تحول دون ممارسة التعذيب في أي إقليم يخضع لسيادتها وتبين المادة ذاتها انه لا يجوز التعذيب بأي مبرر كان كحالات الحرب أو التهديد بالحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ.

            ولنفاذ تطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب وانسجاماً مع أحكامها فإنه يتعين على الدولة اللبنانية إعادة النظر في القوانين الداخلية بخاصة قانون أصول المحاكمات الجزائية والعقوبات وقانون السجون وسائر القوانين التي لها صلة بهذه المسألة.

            ومن اجل الوصول إلى قوانين وتشريعات منسجمة مع اتفاقية مناهضة التعذيب لا بد من اعتماد المبادئ والقواعد الآتية في نصوص قانونية وهذه القواعد هي:

أولاً:  عدم جواز طرد أو إبعاد أو ترحيل أي شخص أجنبي إلى بلد ما سواء كان بلده الأصلي أم لا إذا كان حقه في الحياة أو الحرية الشخصية معرضاً لخطر الانتهاك في ذلك البلد بسبب عرقه أو جنسيته أو دينه أو وضعه الاجتماعي أو آرائه السياسية الأمر الذي يتطلب إعادة النظر وتعديل المواد 88 و89 و30 و31 و32 و33 و34 و35 و36 من قانون العقوبات اللبناني والمتعلقة بالاسترداد وبإخراج الأجنبي من البلاد بشكل تنسجم مع نص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب.

ثانيـــاً:  النص صراحة على عدم جواز التعذيب بمختلف أشكاله وصورة وتحت أية ذريعة أو تبرير كان كحالات الحرب أو التهديد بالحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ مع الإشارة إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية (أ.م.ج) المعاد إلى المجلس النيابي بموجب المرسوم رقم 5328 تاريخ 30/4/2001 ولأسباب مدلى بها لا نجدها تأتلف بالمطلق مع اتفاقية مناهضة التعذيب.

إن قانون أ.م.ج الجديد جاء ينص في مادته 35 و41 على وجوب استخدام الوسائل المشروعة وغير المشوبة بعيوب الإكراه المادي والمعنوي وكذلك وجوب التحقق من الأداء المشتبه به بأقوال واعية إنما هذا القانون وعلى الرغم من أهميته يحتاج أيضاً إلى تعديل لجهة إدخال نص صريح بشأن عدم جواز التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بصورة مطلقة لا لبس فيها دون التذرع بأي سبب حتى في حالات الطوارئ وكذلك النص على بطلان الإفادة نتيجة استخدام مثل هذه الوسائل وكذلك وجوب إجراء تحقيق نزيه وسريع في حال حدوث ذلك كل ذلك انسجاماً مع أحكام المواد 2 و12 و15 من الاتفاقية.  

ثالثـــاً:  النص صراحة على أن ممارسة التعذيب وسائر الممارسات المهينة واللاإنسانية جريمة تستحق العقوبة الملائمة والمناسبة وان تطال هذه العقوبة الفاعل والشريك والمحرض والمتدخل والمساهم بأية وسيلة كانت الأمر الذي يوجب هنا حتماً تعديل نص المادة 401 عقوبات لتطال هؤلاء صراحة بعد

تعريف هذه الجريمة بشكل واضح وكذلك لجهة حذف عبارة «من سام شخصاً» ضروباً من الشدة لا يجيزها القانون لأن عبارة لا يجيزها القانون لا يفهم منها إلا أن القانون يجيز أعمال الشدة بحالات معينة ليأتي ذلك تماشياً مع نص المادة الرابعة من الاتفاقية

رابعــاً:  النص صراحة على اعتبار الجرائم المذكورة في البند ثالثاً أعلاه جرائم قابلة لتسليم مرتكبيها في أية معاهدة لتسليم المجرمين تكون قائمة بين الدول الأطراف وفي حال عدم وجود هذه المعاهدة يكون اعتبار هذه الاتفاقية أساساً لتسليم هؤلاء المجرمين.

خامساً:  النص صراحة على عدم جواز احتجاز إنسان بصورة مخالفة للقانون (حجز حريته) كما جاء في نص المادة 48 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، إنما ينبغي هنا أن يُذكر صراحة في المادة المذكورة الأشخاص المعنيون من فاعل وشريك ومحرض ومتدخل ومساهم ليأتي ذلك منسجماً مع المادة الرابعة أيضاً من الاتفاقية.

سادساً:  النص على قواعد وأصول الاستجواب وتعليماته وأساليبه والضمانات المعطاة سواء كان الشخص شاهداً أو مستمعاً إليه أو مشتبهاً به أو مدعى عليه كما جاء في المواد 32 و35 و41 و42 و47 و48 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إلا أن هذه المواد باستثناء المادة 47 بحاجة إلى النص صراحة على البطلان عند مخالفة مضمونها ليكون ذلك متوافقاً مع نص المادة 11 من اتفاقية مناهضة التعذيب.

سابعـاً:  النص صراحة على الحق في التعويض العادل لكل شخص تعرض للتعذيب أو غير ذلك من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المنافية لكرامة الإنسان وكذلك لكل من أوقف أو حكم عليه بحكم نهائي مشوب بإساءة تطبيق أحكام العدالة وذلك انسجاماً مع نص وروح أحكام المادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب وفي هذا المجال نؤكد وجوب إصدار قانون بهذا الشأن مع الإشارة إلى أنه وكما هو معلوم أن هناك مشروعاً قد أعد بهذا الخصوص إلا أن هناك يداً خفية احتجزته وأعاقت سيره والباقي عندكم أيها السادة. 

ثامنــاً:  يتعين إدراج التعليم والإعلام في ما يتعلق بحظر التعذيب ضمن برامج التدريب للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أو غيرهم ممن قد تكون لهم علاقة باحتجاز أي فرد معرض لأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن ليتلاءم ذلك مع نص المادة العاشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب والمستمدة أصلاً بشيء من التفصيل من القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3452/د.30 تاريخ 9/12/1975 والمسماة "مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين".

تاسعـاً:  العمل على إدخال التعديلات في سائر القوانين المتصلة بهذا الموضوع، على سبيل المثال:  قانون قوى الأمن الداخلي - قانون القضاء العسكري - قانون السجون وكذلك جميع التدابير الإدارية التي تتخذها مثلاً المديرية العامة للأمن العام وسائر المؤسسات والتي يجب أن تنسجم مع نص وروح اتفاقية مناهضة التعذيب.

            وقبل أن اختم أود القول إن الدول العربية التي انضمت إلى الاتفاقية حتى 31/12/1999 هي: الأردن - البحرين - تونس - الجزائر - السعودية - الصومال - الكويت - ليبيا - مصر - المغرب - اليمن أما على صعيد لبنان فإن المجلس النيابي الكريم هو المسؤول قبل أية مؤسسة دستورية أخرى على عدم إصدار تشريعات تتوافق واتفاقية مناهضة التعذيب في ضوء ما تمت الإشارة إليه وبخاصة أصول المحاكمات الجزائية لأسباب كثيرة.

            وفي الختام أوافق على أن هناك من يعيق تلبية حاجاتنا التشريعية لنفاذ تطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب وما يتعلق بحقوق الإنسان ربما يكون ذلك نتيجة اهتزاز عنصر الثقة، أو اللاإيمان بذلك وبخاصة من بعض من هو مولج بتطبيق هذه المبادئ والقواعد إنما بالمقابل فإنه من المؤكد أن دعائم العدالة لا تنهض إلا على احترام حقوق الإنسان وبذلك تتحقق الحرية والعدالة ويعم السلام في المجتمع.

 

            في2004/6/23                                                        وشكراً لكم

      المحامي محمد خالد المراد