|
وخلال القرن التاسع عشر تمت عمليات نقل كثيرة للأعضاء مثل الأوتار والعضلات
والجلد والأعصاب والغضاريف والقرنيات والغدد
وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين تطوراً مذهلاً في العلوم
الطبية والعديد من الإنجازات العلمية في هذا المجال ولعل أعظم هذه الإنجازات ما
تحقق بالنسبة إلى حياة الإنسان وصحته.
ففي السنوات الأخيرة ظهرت عمليات نقل وزرع الأعضاء والتلقيح
الصناعي والتعقيم كوسيلة علاجية، وتغيير الجنس والاستنساخ إلى غير ذلك من
الإنجازات وما زال الباحثون من رجال الطب لا يدخرون وسعاً في سبيل إنقاذ
البشرية.
وقد أثارت هذه الموضوعات الطبية، وما زالت تثير، الكثير من النقاش
والجدل لدى رجال القانون والطب على السواء حول مدى مشروعيتها، ذلك انه وبظهور
هذه الموضوعات تجاوز الطب الحديث الحدود التقليدية المتعارف عليها بحيث أصبح
أكثر فاعلية في علاج الأمراض المستعصية وإنقاذ البشرية من خطر الموت وفي الوقت
نفسه أكثر خطورة وتأثيراً على حياة الإنسان حيث يعتبر البعض أن هناك خروجاً على
القواعد القانونية المستقرة التي تحمي حق الإنسان في الحياة وفي سلامة جسمه
وتكامله كون الجسم الإنساني عماد الشخص بذاته بحسب الأصول وكونه من أكثر عناصر
الحياة الإنسانية تقديساً.
ويكون التساؤل حينئذ حول مدى أعمال قواعد المسؤولية؟؟ وهل إن خدمة
العلم والإنسانية تستدعيان تعطيل هذه القواعد حتى وإن نجم عن هذا العمل نقص في
قدرة هذا الشخص ونشاطه الذي يمارس أساليب هذا الفن ؟؟
والواقع أن ابرز ساحة لهذه المناقشة ما يعرف بعمليات نقل وزرع
الأعضاء البشرية التي مرت بمراحل من التطور بدأت بنقل جزء من جسم الإنسان إلى
جزء آخر من جسمه وتطورت إلى أن أصبحت كما ذكرنا من إنسان حي إلى آخر ومن متوفى
إلى إنسان حي وبدأت بعضو وتطورت لتشمل سائر الأعضاء.
ولا شك في أن مسألة زرع الأعضاء حساسة ودقيقة لأنها تنقل بين
الأحياء والأموات، وعلى الرغم من أن هذه المسألة ليست جديدة ألا أن نطاقها قد
اتسع في العصر الحالي اتساعاً كبيراً حتى أنه لا يوجد عضو أو نسيج إلا وتم نقله
بما في ذلك بعض خلايا الدماغ.
وفي مجال زرع الأعضاء فقد قام الطب حتى الآن بدوره على أكمل وجه
بان أوضح إمكانية إجراء مثل هذه العمليات وبهذا فقد ألقى بالكرة إلى رجال
القانون، فمن حق الطبيب أن يعرف النظام القانوني لإجراء هذه العمليات حتى لا
يقع تحت طائلة المسؤولية القانونية، كما يجب على القانون أن يضع الحدود اللازمة
للتصرف في الجسم فمن يريد أن يساعد غيره بتقديم جزء من جسمه لإنقاذه يجب أن
يعرف شروط تصرفه ومدى مشروعتيه بحيث لا يترك القانون الإنسان بين المصالح، بين
مصلحة المتنازل ومصلحة المريض فلا يضحي بأحدهما من أجل الآخر.
نتيجة لذلك فقد بدأت العديد من الدول بتنظيم كافة المجالات
المتعلقة بنقل وزرع الأعضاء ضمن ضوابط قانونية.
ففي لبنان صدور المرسوم الاشتراعي رقم 109/ تاريخ 16/9/1983
والمسمى بأخذ الأنسجة والأعضاء البشرية لحاجات طبية وعلمية، وفي 22/2/1994 صدر
القانون رقم 288 والمتعلق بالآداب الطبية.
وكذلك فعل المشترع الأردني والكويتي حيث صدر في دولة الكويت عام
1983 قانون رقم 7 بشأن زرع الكلى مع الفتوى الشرعية رقم 132/1979 والفتوى رقم
87/1981 وفي العراق ومصر وسوريا والسعودية، كما تم إعداد مسودة مشروع القانون
العربي الموحد لعمليات زراعة الأعضاء البشرية وذلك من خلال اجتماعات اللجنة
الفنية لمجلس وزراء الصحة العرب المنعقدة في الفترة ما بين 16 - 18/12/1986 في
المملكة العربية السعودية وبمدينة جدة.
وعلى الصعيد الدولي تبدو أهمية هذا الموضوع واضحة ففي لاهاي عقدت
جمعية زراعة الأعضاء البشرية مؤتمرها الثالث عام 1970، ولم تغفل منظمة الصحة
العالمية ذلك فقد ورد في تقريرها المقدم في الدورة التاسعة والسبعين التي عقدت
في 3/12/1986 توضيح للأعضاء البشرية القابلة للنقل طبياً، ولبعض الأسس
الأخلاقية المتعلقة بنقل الأعضاء.
لا شك في أن موضوعنا هذا ولما يتسم به من أهمية بالغة فإن الوقت
المسموح لنا به لا يمكننا من الإحاطة بكافة عناوينه ومسائله إلا انه من المفيد
في ضوء التشريعات الحالية، توصلاً إلى حلول تتماشى وأحكام القانون والأخلاق
وابتغاء لتشريع متطور في هذا المجال، أن نبدي الملاحظات الآتية:
أولاً: ملاحظات عامة:
1- بالنظر إلى التشريعات الحالية في لبنان وسواه من البلدان
العربية فإنه يتعين أن يصدر تشريع ينظم تفصيلاً نقل الأعضاء سواء في ما بين
الأحياء، أو من جثة ميت إلى حي.
2- يجب أن تجري عمليات نقل الأعضاء من طبيب رخصت له الدولة بالقيام
بهذه العملية. ويحدد القانون الشروط التي يتعين توافرها في هذا الطبيب.
3- يجب أن تجري عمليات نقل الأعضاء في مكان تحدده الدولة لذلك،
ويتعين أن يتوافر فيه الامكانات الفنية والأخصائية.
4- يتعين لشرعية عمليات نقل الأعضاء رضاء صريح وصحيح قانوناً من
جميع الأطراف الذين تجري العملية في ما بينهم، وان يكون كتابياً وتودع صورة عنه
في إدارة خاصة مقرها وزارة الصحة، ويجوز لمن صدر الرضاء عنه العدول عن رضائه في
أي وقت قبل إجراء العملية.
ثانياً: ملاحظات في شأن نقل الأعضاء في ما بين الأحياء:
1- يجب أن يقتصر نقل الأعضاء في ما بين الأحياء على الأعضاء
المزدوجة في جسم الإنسان أو الأنسجة المتجددة منه.
2- يتعين لشرعية نقل الأعضاء في ما بين الأحياء أن يثبت بناء على
تقرير طبي، تتوافر فيه شروط يحددها القانون.
3- لا يجوز أن يقل سن من ينقل العضو منه عن الثامنة عشرة ما لم تكن
الحالة المعروضة على الطبيب تتعلق بالأشقاء أو التوائم على أن تقترن بموافقة
الوالدين أو أحدهما في حالة غياب الآخر أو الوصي الشرعي في حالة غياب الوالدين.
4- يتعين أن يحمل الشخص الذي ينقل العضو منه والشخص الذي ينقل
العضو إليه جنسية الدولة التي تجري فيها العملية وهذا من شأنه ضبط عمليات نقل
وزرع الأعضاء بصورة تنفي عن لبنان صفة كونه سوقاً سوداء للأعضاء.
5- لا يجوز نقل الأعضاء إلا بين أشخاص تربط بينهم صلة قرابة أو
مصاهرة لا تتجاوز الدرجة الرابعة وفي هذا ابتعاد عن شبهة المتاجرة
6- لا يجوز أن يكون نقل العضو مقابل ثمن. ويتعين مع ذلك أن يؤدي
الشخص المنقول إليه العضو إلى الشخص المنقول منه ذلك العضو تكاليف عملية النقل
كاملة، وتلتزم الدولة بتوفير النفقات اللازمة لعلاج الشخص الذي نقل العضو منه
من جميع المضاعفات الناجمة عن عملية النقل. وتقرر الدولة كذلك تعويضاً عما ناله
من ضرر أو فاته من كسب.ويؤدى هذا التعويض من صندوق يحدد القانون موارده ويجوز
أن تقرر له الدولة مزايا معنوية ملائمة، كعلاجه وعلاج أفراد أسرته على نفقة
الدولة مدى الحياة.
7- يحظر إنشاء مؤسسات تجارية تهدف إلى الاتجار في الأعضاء البشرية
أو التوسط في معاملات يكون موضوعها هذه الأعضاء. ويعد إنشاء هذه المؤسسات وما
تجريه من معاملات باطلاً بطلاناً مطلقا. ويحرم القانون ذلك، ويحدد العقوبة
الملائمة له، ويحظر نشر إعلانات بأية وسيلة من وسائل الإعلام أو غير ذلك من
وسائل إعلانية، موضوعها عرض شراء عضو بشري أو عرض بيعه ويقرر القانون العقوبة
الملائمة لمخالفة هذا الخطر.
8- يتعين لشرعية نقل عضو في ما بين شخصين أن توافق على ذلك لجنة من
الأطباء يحدد القانون تشكيلها. ولا يجوز أن يكون من بين أعضائها الطبيب أو
الأطباء الذين عهد إليهم بإجراء عملية النقل. وعلى اللجنة أن تتحقق من توافر
الشروط التي يحددها القانون لمشروعية ذلك.
9- يجب أن يعاقب الطبيب الذي ينقل عضواً من جسم شخص إلى شخص آخر،
دون توافر الشروط التي يحددها القانون، بعقوبة الجرح المفضي إلى إحداث عاهة
مستديمة أو المفضى إلى الموت، على حسب الأحوال.علماً أن المشرع اللبناني قد
أورد عقاباً على الطبيب المخالف.
ثالثاً: نقل عضو من جثة ميت إلى شخص حي:
1- ويقصد بجثة الميت شخص ثبت بناء على الخبرة الطبية توقف جميع
مظاهر الحياة في جسمه وتختص بالتحقق من ذلك لجنة طبية لا يكون من بين أعضائها
الطبيب أو الأطباء الذين يعهد إليهم بإجراء عملية النقل.
2- لا يجوز نقل عضو من جثة ميت إلا بناء على وصية صحيحة صدرت عنه
قبل وفاته، أو بناء على رضاء صحيح من زوجه أو من جميع أبنائه بعد وفاته.ويجب أن
تثبت الوصية أو الرضاء بوجه رسمي وعلى النحو الذي يحدده القانون.ويجوز أن يحمل
الشخص بطاقة يقرر فيها رضاءه بنقل عضو أو أعضاء من جثته بعد وفاته وتحمل إلى
جانب توقيعه توقيع شاهدين وتختم من أحد القضاة ومن وزارة الصحة، أو أن يسجل
اسمه في سجل رسمي يعد لذلك بالتنسيق بين وزارة العدل ووزارة الصحة، ضماناً لنقل
العضو فور حصول الوفاة.
3- لا يجوز الاحتفاظ بجثث الموتى بقصد بيع أجزاء منها، أو التعامل
فيها بأية صورة من صور التعامل.
4- يعامل المحكوم عليه بالإعدام، من حيث نقل عضو أو أعضاء من جسمه،
معاملة أي مواطن آخر بغض النظر عن الفعل الذي اقترفه واستدعى عقوبة الإعدام
وختاماً لا بد من تأكيد أن هذا اللقاء
هو ثمرة جهود جبارة، وبت على يقين بأنه يشكل مدماكاً رئيساً وأساسياً لترقى
العناية بالإنسان إلى أعلى المستويات، ومن خلال هذه اللقاءات التي تضم رجال
الطب والقانون والدين يتحقق مصدر الدعم والتشجيع للمرضى والواهبين تحت
شعارالتغلب على العلة
وشــــــكراً

|